ابن أبي الحديد

208

شرح نهج البلاغة

أكثر منهم سيدا ، فأقر وادعى ، فهو في إقراره بالنقص مخصوم ، وفي ادعائه الفضل خصيم . وقال جحش بن رئاب الأسدي حين نزل مكة بعد موت عبد المطلب : والله لأتزوجن ابنة أكرم أهل هذا الوادي ، ولأحالفن أعزهم ، فتزوج أميمة بنت عبد المطلب ، وحالف أبا سفيان بن حرب . وقد يمكن أن يكون أعزهم ليس بأكرمهم ، ولا يمكن أن يكون أكرمهم ليس بأكرمهم ، وقد أقر أبو جهل على نفسه ورهطه من بني مخزوم حين قال : تحاربنا نحن وهم ، حتى إذا صرنا كهاتين ، قالوا : منا نبي . فأقر بالتقصير ، ثم ادعى المساواة ، ألا تراه كيف أقر أنه لم يزل يطلب شأوهم ( 1 ) ثم ادعى أنه لحقهم ! فهو مخصوم في إقراره ، خصيم في دعواه ، وقد حكم لهاشم دغفل بن حنظلة النسابة حين سأله معاوية عن بني هاشم : فقال : هم أطعم للطعام ، وأضرب للهام ( 2 ) ، وهاتان خصلتان يجمعان أكثر الشرف . قال أبو عثمان : والعجب من منافرة حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم ، وقد لطم حرب جارا لخلف بن أسعد جد طلحة الطلحات ، فجاء جاره فشكا ذلك إليه ، فمشى خلف إلى حرب وهو جالس عند الحجر ، فلطم وجهه عنوة من غير تحاكم ولا تراض ، فما انتطح فيه عنزان ( 3 ) . ثم قام أبو سفيان بن حرب مقام أبيه بعد موته ، فحالفه أبو الأزيهر الدوسي ، وكان عظيم الشأن في الأزد ، وكانت بينه وبين بني الوليد بن المغيرة محاكمة في مصاهرة كانت بين الوليد وبينه ، فجاءه هشام بن الوليد وأبو الأزيهر قاعد في مقعد أبي سفيان بذي المجاز ، فضرب عنقه ، فلم يدرك به أبو سفيان عقلا ولا قودا في بني المغيرة . وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك :

--> ( 1 ) الشأو : الغاية . ( 2 ) الهام : الرؤوس . ( 3 ) هذا مثل يضرب للامر يقع ولا يختلف فيه اثنان .